إضاءات مدنية
قال آية الله الشيخ سليمان المدني الجدحفصي البحراني قدس الله نفسه الزكية:
"إزالة (عين) ال(عزلة) زلّة".
ومراده والله العالم أن العزلة تنقسم إلى قسمين.
عزلة سلبية.
عزلة إيجابية.
والعزلة السلبية هي التي لا يتخللها ذكر الله جل في علاه ولا تزكية للنفس ولا تحقق هدفية للإنسان والتي من ضمنها الدعوة الله تعالى بالتي هي أحسن وإنما هي في حقيقتها انطواء على النفس وجلد للذات وإعدام للاستعدادات والقابليات.
حينها يكون القرار (زلّةٌ) من زلل النفس لم يلتفت إليها الإنسان حين استكان لتسويلاتها ظنا منه بأن الابتعاد عن الخلق قد يحقق له نوعا من الطمأنينة والراحة تكون زلة مكلفة جدا وذلك للملازمات المترتبة على القرار المستعجل.
بينما العزلة الإيجابية [النوعية] مع ذكر الله جل جلاله ومعرفة جلال أسمائه وكمال صفاته والخلوة به والتفكر في الآيات الأنفسية والآفاقية وترتيب الأولويات بين الأهم والمهم والكيف والكم والعلم بالزمان والمكان تحقق له بصيرة نافذة يتحرك على ضوئها وفق دراية قرآنية روائية، حينئذ تكون هذه الخلوة مدرسة بحد ذاتها، ولكن بشرط عدم الاستقلالية، بل بالاستنجاد بعِدل القرآن العترة الطاهرة عليهم صلوات وسلام الرب المتعال في كل شاردة وواردة وفي أدق تفاصيل العزلة.
على أية حال منطوق ظاهر بعض ألسنة رواياتهم عليهم أفضل الصلاة وأزكى قد يوحي بذم العزلة مطلقا، ولكن الإنصاف يقتضي تقييد تلك الروايات ولو من عمومات روايات أخرى خارجة عن العنوان.
وما يجدر التنبيه إليه عند البعض هو الحفظ لروايات العزلة والخطأ في التطبيق ولذلك جاء في النهج الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام: "اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل (رعاية) لا عقل (رواية)، فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل" وهو شامل لما نحن فيه بالتأكيد ويصلح مثالا ونصيحة لمن لا حرفة له في معالجة الأخبار سوى الوقوف عند حدود ورسوم الألفاظ فقط وفقط.
هي زلة كما أشار إليه طاب ثراه و أحسبه يعني به الخطأ في التطبيق سواء كان نظريا أو عمليا.
ولذلك تجد ممن صنّف من الأعلام في علم الأخلاق واستطرد في الكلام حول العزلة جعلها قسمين عزلة سلبية، وعزلة إيجابية. أو عزلة محمودة، وعزلة مذمومة؛ واستدل عليهما بروايات بقسمة قاطعة للشركة حتى لا يقع قارئه في وهم التطبيق.
- إنارة وتبصرة:
قد تفرض بعض الظروف القاهرة على الإنسان قيود العزلة فينزوي عن ضجيج الدنيا وأهلها مؤقتا لالتقاط بعض الأنفاس واستدراك وتصويب الأخطاء وترتيب أوراقه من جديد فلا ضير في ذلك، ولكن بشرطها وشروطها وأهمها:
أن لا يستغرق في عزلته كثيرا، فإنه وبالرغم من استجوادها، ولكن الخشية من أن تستحوذ على كل كيانه فيستقل عن طلب المدد الإلهي ويقع بالتالي فريسة لانفعالات النفس والتخبط في صنع القرارات.
لماذا؟
جوابه: إن أجواء العزلة عموما تظل متسلطة وحاكمة على الند والضد حتى وإن بدت بقعة بيضاء تلوح في الأفق للخروج من نفق الأزمة.
ولأجل ذلك ننصح بعدم إدامة أمد العزلة وإن كانت عزلة إيجابية وعدم الركون للمفهوم الخاطئ عنها خارجا بأنها تقاطع وطلاق وهجران ومباينة ومفاصلة عن واقع مرير بحسب تشخيص المعتزل ذاته.
إن العزلة في مفهومها الإيجابي العام تعني: تصحيح (وضع)، لا تأزيم (نفس). هذا بحسب منطق علم النفس، وأما بحسب تزكيتها وتربيتها في علم الأخلاق، فهي: اللجوء إلى نور صلاة الليل شمعة سحر المأزومين على البعد المادي والمكلومين المظلومين على البعد المجتمعي والعابدين القانتين الراكعين الساجدين الباكين من خشية رب العالمين على البعد القربي العبادي.
هي التدبر والاستنطاق القرآني والاستنارة من عموم فقرات أدعية الصحيفة السجادية ومناجياتها ومن أجل التوفيق للاستقامة والثبات على الصراط المستقيم الذي هو بحسب منطوق بعض روايتهم عليهم السلام أنه: صراط الولاية، أو صراط علي عليه صلوات وسلام رب العالمين.
العزلة الإيجابية بالنسبة للإنسان أيًّا كان تخصصه هي بمثابة إجازة سنوية يستريح فيها عقله من نفايات اللوثات الفكرية الالتقاطية، وتصحيح مساره، ولروحه المنهوكة المنتهكة، المنهوكة من اللهث وراء دنيا المغريات، والمنتهكة جراء إهمالها والجهل بما يصلحها دنيا وآخرة.
هي بمثابة استعادة نشاط وتموضع من أجل نزول جديد للميدان لا كسل أو خمول وتقوقع.
- ختامها مسك
وكيف كان:
لا شك أن مراده من قوله قدس سره: إزالة (ع) العزلة زلة، هو عين العزلة الإيجابية لا السلبية.
ولو عكسنا مراده نوّر الله تربته وحذفنا مفردة إزالة وكذلك مفردة عين أصبحت العبارة: (العزلة زلّة) وهي غير مرادة منه بالتأكيد.
كيف؟ وهو الخبير المتضلع في الأخبار ولا يخفى عليه التقسيم؛ أعني به الاخبار المادحة والقادحة.
فتحصّل أن مراده رضوان الله تعالى عليه هو: إزالة عين العزلة الإيجابية لا السلبية.
وأختم الكلام في المقام بكلام ملوك الكلام عليهم صلوات وسلام الملك العلاّم بروايتين شريفتين تبرّكا.
قيل للإمام الصادق عليه وأشار العلامة المجلسي طاب رمسه أنه الثوري؛ اي سفيان:
أعتزلتَ الناس؟
قال: فسد الزمان وتغير الإخوان فرأيتُ الانفراد أسكن للفؤاد.[1]
قال الإمام الكاظم عليه السلام: يا هشام، إياك ومخالطة الناس والأنس بهم إلا أن تجد منهم عاقلا مأمونا فأنس به واهرب من سائرهم كهربك من السباع الضارية[2].
- ملحظ مهم.
ما رشَحَ من يراعي عن رائعة آية الله الشيخ سليمان المدني نوّر الله رمسه هو تبرعٌ مني ليس إلا، ومحاولة متواضعة في إبراز الوجه المشرق من إفاضات من له حق الوفاء علينا حيّا وميتا اقتباسا من قول مولى الموحدين أمير المؤمنين عليه صلوات وسلام رب العالمين لكميل بن زياد النخعي رضوان الله تعالى عليه: "يا كميل هلكَ خزان الأموال، والعلماء باقون ما بقيَ الدهر؛ أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة"[3].
والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا. وصلواته وسلامه على النبي الخاتم وعلى آله سادات العالم.
وانفتل القلم من ركوعه وسجوده في سحَر يوم الحادي عشر من ربيع المولود ١٤٤٧هج الموافق للـ 3 من سبتمبر من عام ٢٠٢٥م.
السيد جميل المصلّي
........................................
[1] - بحار الأنوار -المجلسي- ج47 ص60.
[2] - بحار الأنوار -المجلسي- ج1 ص155.
[3] - نهج البلاغة – ج1 495.