بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصلَّى الله عَلَى محمَّد وآله الطيبين الطاهرين
ورقة لملتقى الرسول الأكرم (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) – 4
عُنْوَانُ الْوَرَقَةُ: موازين الْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بما تدلُّ عليه النُّصُوصُ الشَّرِيفَةُ
صَاحِبُ الْوَرَقَةُ: السَّيد محمَّد العلوي
التَّارِيخُ: 14 ربيع الأوَّل 1448 للهجرة (الجمعة) – السَّاعة 8 مساءً
الْمَكَانُ: حسينيَّة الحاج عبَّاس العرادي (قرية عراد – محافظة المحرَّق)
........................................................................
مَدْخَلٌ:
تَسْعَى هَذِهِ الْوَرَقَةُ إِلَى مُعَالَجَةِ أَمْرٍ يَقَعُ بَيْنَ قُوَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا الْقُوَّةُ الدَّاعِيَةُ إِلَى لِينِ الْخِطَابِ وَالْجِدَالِ دَائِمًا، وَالْأُخْرَى الْقُوَّةُ الدَّاعِيَةُ إِلَى التَّصَلُّبِ وَالْمُصَادَرَةِ دَائِمًا، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَدْعَمُ تَوَجُّهَهَا بِنُصُوصٍ مِنَ الثَّقَلَيْنِ.. إِنَّهُ أَمْرُ الْجِدَالِ.
وَلِبَيَانِ الْمَنْشَأ الْعَامِّ لِمُشْكِلَةِ الْبَحْثِ، نُشِيرُ إِلَى تَمَيُّزِ الْإِسْلَامِ بِمُوَافَقَتِهِ التَّامَّةِ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ كَافَّةِ جِهَاتِ وُجُودِهِ الْآدَمِيِّ وَالْإِنْسَانِيِّ، بِتَوَازُنٍ يُبْعِدُهُ وَيُجَنِّبُهُ الْوُقُوعَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْإِفْرَاطِ أَوِ التَّفْرِيطِ.
غَيْرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ، مَعَ وُجُودِ نَزْعَةِ تَغْلِيبِهِ لِلْأَدِلَّةِ الدَّاعِمَةِ لِتَوَجُّهَاتِهِ الْفِكْرِيَّةِ وَمُيُولِهِ النَّفْسِيَّةِ، طَالَمَا أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ بِلَوْنٍ وَاحِدٍ يُوَافِقُهُ وَيُسْنِدُ أُطْرُوحَتَهُ؛ بَلْ إِنَّهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ يَقْتَطِعُ مِنَ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ أَوِ الْحَدِيثِيِّ مَا يُرِيدُهُ فِي اسْتِدْلَالِهِ، ثُمَّ يُتَوَارَثُ هَذَا الْجُزْءُ الْمُقْتَطَعُ وَكَأَنَّهُ كَامِلٌ لَا اتِّصَالَ لَهُ بِشَيْءٍ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ.
وَأَذْكُرُ هُنَا مِثَالَيْنِ:
1/ هُنَاكَ أُطْرُوحَةٌ تَدَّعِي أَنَّ الْإِسْلَامَ يَسْمَحُ بِتَعَدُّدِ الْمُعْتَقَدَاتِ، مَهْمَا كَانَتْ قَرِيبَةً مِنَ الدِّينِ أَوْ بَعِيدَةً عَنْهُ، وَمِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ أَصْحَابُ هَذَا التَّوَجُّهِ آياتُ مِنَ الكِتَابِ العزيز، مِنْهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾[1].
وَالْحَقُّ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا الْجُزْءِ وَحْدَهُ خَطَأٌ عِلمِيٌّ جَسيم؛ فَإِنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ جَاءَتْ فِي سِيَاقٍ يُبَيِّنُ الرُّشْدَ مِنَ الْغَيِّ، وَيَكْشِفُ مَصِيرَ مَنْ يَتَّبِعُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي دِينِهِ وَمَنْ يُعْرِضُ عَنْهُ، وَهَذَا مَا يُفْهَمُ بِوُضُوحٍ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
ثُمَّ يَقُولُ سُبْحَانَهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا:
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فالآيَةُ صَريحَةٌ في ذَمِّ مَنْ نُهيَ المُسلِمونَ عَنْ إكْرَاهِهِم.
2/ يَدْعُو بَعْضٌ إِلَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْأَخِ فِي الدِّينِ وَالنَّظِيرِ فِي الْخَلْقِ مِنْ غَيْرِ الْإِخْوَانِ فِي الدِّينِ، مُسْتَدِلِّينَ وَمُؤَيِّدِينَ لِدَعْوَتِهِمْ بِحَدِيثٍ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يدَعُونَ أنَّهُ يَقُولُ فِيهِ:
"النَّاسُ صِنْفَانِ: أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَنَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ".
وَالْحَقُّ أَنَّ الْإِمَامَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَتَبَ فِي عَهْدِهِ لِمَالِكِ الْأَشْتَرِ لَمَّا وَلَّاهُ عَلَى مِصْرَ وَأَعْمَالِهَا:
"وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعًا ضَارِيًا تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَوَالِيَ الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ، وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ، وَابْتَلَاكَ بِهِمْ"[2].
فَهَذَا لِمَالِكٍ مِنْ حَيْثُ وِلَايَتُهُ، لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مِنْ عُمُومِ النَّاسِ؛ فالإمام (عليه السَّلام) قال: " وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ"، إلى أنَّ قال: "فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ"، وضمير (فإنَّهم) يعود إلى الرعيَّة؛ أي: أنَّ الرعية لك لكونك واليًا إمَّا أخٌ لك في الدين، وإمَّا نظير لك في الخلق. وَهَذِهِ جِهَةٌ مُهِمَّةٌ وَاعْتِبَارٌ مَوْضُوعِيٌّ لَهُ خَطَرُهُ، وَلَا يَصِحُّ لِبَاحِثٍ إِغْفَالُهُ.
ويَحْسُنُ التنبيهُ هنا على إمكان جريان نص الإمام علي (عليه السَّلام) في سائر المسلمين، ولكن هذا لا يُفاد من نصِّ العهدِ منفردًا؛ وذلك للحيثية المُشار إليها، وهي حيثيَّة مفقودة في العلاقات بين المسلمين بما هم من عموم النَّاس وغيرِهم من غير المسلمين.
وَهُنَا لَا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ إِلَى أَنَّ الْبَاحِثَ لَا يَدْعُو إِلَى نَفْيِ الْحُرِّيَّةِ، وَلَا إِلَى إِسْقَاطِ الْمُسَاوَاةِ، وَلَكِنَّ النَّظَرَ الْعِلْمِيَّ يَقْضِي بِوُجُوبِ اسْتِقَامَةِ الِاسْتِدْلَالِ وَسَلَامَةِ الِاسْتِشْهَادِ؛ وَلِذَلِكَ يَدْعُو إِلَى تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَضَبْطِ جِهَةِ الِاسْتِدْلَالِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْأَخْلَاقِيِّ الْعَامِّ وَالدَّلَالَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ أَوِ الْمَوْضُوعِيَّةِ الْخَاصَّةِ.
وَمِنْ هَذَا الْمَدْخَلِ تَتَّجِهُ الْوَرَقَةُ إِلَى بَحْثِ ضَوَابِطِ الْجِدَالِ فِي الْإِسْلَامِ، حَتَّى لَا يَكُونَ النَّصُّ شَاهِدًا عَلَى مَا لَمْ يُرَدْ مِنْهُ، وَلَا يَكُونَ الْخِلَافُ سَبِيلًا إِلَى الْإِفْرَاطِ أَوِ التَّفْرِيطِ.
مُقَدِّمَةٌ:
تَبْتَدِئُ هَذِهِ الْوَرَقَةُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾،
لَا بِوَصْفِهَا نَصًّا فِي أَصْلِ مَشْرُوعِيَّةِ الْجِدَالِ فَحَسْبُ، بَلْ بِوَصْفِهَا أَسَاسًا فِي تَحْدِيدِ ضَابِطِهِ وَمَنْهَجِهِ؛ إِذْ لَمْ تَأْمُرِ الْآيَةُ بِمُجَرَّدِ الْجِدَالِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَتْهُ بِأَنْ يَكُونَ «بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»، وَهَذَا الْقَيْدُ هُوَ مَوْضِعُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَتَنَاوَلُهَا الْوَرَقَةُ.
غَيْرَ أَنَّ وَصْفَ «الْأَحْسَنِ» قَدْ يُحْمَلُ أَحْيَانًا عَلَى مَعْنَى اللِّينِ وَخَفْضِ الْجَانِبِ وَحْدَهُمَا، فَتُسَاوَى هَذِهِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[3]، وَكَأَنَّ الْجِدَالَ الْأَحْسَنَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا فِي صُورَةِ الرِّفْقِ وَالنُّعُومَةِ وَاللِّينِ.
وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ اللِّينَ وَحُسْنَ الْخِطَابِ مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ، إِلَّا أَنَّ مَحَلَّ الْبَحْثِ هُنَا لَيْسَ فِي فَضْلِ اللِّينِ، وَإِنَّمَا فِي تَحْدِيدِ الْمُرَادِ مِنْ «الْأَحْسَنِ» فِي بَابِ الْجِدَالِ: أَهُوَ اللِّينُ مُطْلَقًا، أَمْ هُوَ مَا وَافَقَ الْحِكْمَةَ، وَأَقَامَ الْحُجَّةَ، وَأَزَالَ الشُّبْهَةَ، وَرَاعَى حَالَ الْمُخَاطَبِ وَمُقْتَضَى الْمَقَامِ؟
وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ النُّصُوصِ أَنَّ "الْجِدَالَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" لَيْسَ مُجَرَّدَ لُطْفٍ فِي الْعِبَارَةِ، بَلْ هُوَ مَنْهَجٌ قَائِمٌ عَلَى الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَحُسْنِ تَرْتِيبِ الْحُجَّةِ.
فَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنِ "الْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَالَّتِي لَيْسَتْ بِأَحْسَنَ"، فَأَجَابَ بِمَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْجِدَالَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هُوَ إِيرَادُ الدَّلِيلِ عَلَى صَاحِبِ الشُّبْهَةِ، وَنَقْضُ قَوْلِهِ بِمَا لَا يَجِدُ مَعَهُ مَجَالًا لِدَفْعِ الْحُجَّةِ أَوْ رَدِّ الْبُرْهَانِ.
وَبِعِبَارَةٍ مُعَاصِرَةٍ: إِنَّهُ نَقْضٌ وَإِبْرَامٌ عَلَى أُسُسٍ عِلْمِيَّةٍ رَصِينَةٍ، يَتَنَاوَلُ مَوْضُوعًا مُحَرَّرًا، وَيَنْطَلِقُ مِنْ مَعْرِفَةٍ بِحُدُودِ الْمَسْأَلَةِ وَحَيْثِيَّاتِهَا؛ وَلِذَلِكَ لَا تَصِحُّ دَعْوَاهُ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ أَدَوَاتِ النَّظَرِ، وَلَا يَعْرِفُ مَوَازِينَ الِاسْتِدْلَالِ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ جِهَةِ الدَّلِيلِ وَمَوْضُوعِهِ وَمَوْرِدِهِ.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ مَوَازِينِ الْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، مَعَ الرُّجُوعِ إِلَى تَفْسِيرِ الْإِمَامِ الْعَسْكَرِيِّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ (125) مِنْ سُورَةِ النَّحْلِ.
أَمَّا اللِّينُ وَخَفْضُ الْجَانِبِ فَهُمَا أَصْلٌ أَخْلَاقِيٌّ عَامٌّ أَمَرَ بِهِ الْإِسْلَامُ، وَجَعَلَهُ مِنْ مَظَاهِرِ الرَّحْمَةِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ لَا يَعْنِي إِلْغَاءَ سَائِرِ مُقْتَضَيَاتِ الْحِكْمَةِ، وَلَا جَعْلَ صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْخِطَابِ حَاكِمَةً عَلَى جَمِيعِ الْمَوَارِدِ.
فَقَدْ يَقْتَضِي الْمَقَامُ رِفْقًا وَلِينًا، وَقَدْ يَقْتَضِي حَزْمًا وَتَنْبِيهًا وَشِدَّةً مُنْضَبِطَةً، بِحَسَبِ حَالِ الْمُخَاطَبِ، وَمَوْضُوعِ الْكَلَامِ، وَأَثَرِ الْخِطَابِ، وَالْغَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَرْجُوَّةِ مِنْهُ.
وَمِنْ هُنَا يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ مِنَ الْخَلْطِ بَيْنَ مَوَارِدِ الْجِدَالِ الْعِلْمِيِّ وَمَوَارِدِ الْخِطَابِ التَّأْدِيبِيِّ أَوِ السِّيَاسِيِّ أَوِ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ فَإِنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي الشِّدَّةِ وَالْحَزْمِ لَا تُنْقَلُ إِلَى بَابِ الْجِدَالِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ مَوْرِدِهَا، كَمَا أَنَّ نُصُوصَ اللِّينِ لَا تُجْعَلُ وَحْدَهَا مِيزَانًا مُطْلَقًا لِكُلِّ مَقَامٍ.
وَمِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي مُخَاطَبَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ تَخَاذَلُوا عَنْ أَمْرِهِ، إِذْ قَالَ فِيمَا قَالَ لَهُمْ:
"يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلَا رِجَالَ، حُلُومُ الْأَطْفَالِ، وَعُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ... لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكُمْ؛ مَعْرِفَةً وَاللَّهِ جَرَّتْ نَدَمًا وَأَعْقَبَتْ سَدَمًا... قَاتَلَكُمُ اللَّهُ؛ لَقَدْ مَلَأْتُمْ قَلْبِي قَيْحًا، وَشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظًا، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاسًا، وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ وَالْخِذْلَانِ"[4].
وَفِي مَوْرِدٍ آخَرَ، تَحَدَّثَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنِ الْغَيْرَةِ وَحِفْظِ الْأَعْرَاضِ بِخِطَابٍ وَاضِحِ الْحَزْمِ، فَقَالَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ:
"يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ؛ نُبِّئْتُ أَنَّ نِسَاءَكُمْ يُدَافِعْنَ الرِّجَالَ فِي الطَّرِيقِ... أَمَا تَسْتَحيُونَ؟"[5].
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ):
"أَمَا تَسْتَحُونَ وَلَا تَغَارُونَ؛ نِسَاؤُكُمْ يَخْرُجْنَ إِلَى الْأَسْوَاقِ يُزَاحِمْنَ الْعُلُوجَ"[6].
وَالْمَقْصُودُ مِنْ إِيرَادِ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ لَيْسَ جَعْلَ الشِّدَّةِ أَصْلًا، بَلْ بَيَانُ أَنَّ الْخِطَابَ الإسْلَامِيَّ - الْأَعَمَّ مِنَ الْجِدَالِ وَغَيْرِهِ - لَا يُخْتَزَلُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ حُسْنَ الْخِطَابِ تَابِعٌ لِلْحِكْمَةِ وَمُقْتَضَى الْمَقَامِ، لَا لِمُجَرَّدِ اللِّينِ اللَّفْظِيِّ.
وَعَلَى هَذَا، فَمَسْأَلَةُ هَذِهِ الْوَرَقَةِ لَيْسَتْ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ اللِّينِ وَالشِّدَّةِ عَلَى نَحْوِ الْإِطْلَاقِ، وَلَا فِي نَفْيِ رُجْحَانِ الرِّفْقِ حَيْثُ يَكُونُ هُوَ الْأَلْيَقَ، وَإِنَّمَا فِي تَنْقِيحِ مَعْنَى "الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" فِي بَابِ الْجِدَالِ، وَبَيَانِ أَنَّ مَوَازينَ "الجِدالِ بالَّتي هي أَحْسَنَ" تُؤخَذُ مِنْ لِسَانِ النُّصوص الشَّرِيفة، لا مِن غَيرِهَا مَهمَا اسْتَحسَنَتْهَا الأذْوَاق وَمَالَت إليْهَا الطِّبَاع.
وَمِنْ هُنَا تَنْطَلِقُ الْوَرَقَةُ فِي الْبَحْثِ عَنِ الضَّوَابِطِ الَّتِي تَمْنَعُ الْجِدَالَ مِنَ الِانْحِرَافِ إِلَى التَّمْيِيعِ مِنْ جِهَةٍ، أَوْ إِلَى الْمُصَادَرَةِ وَالتَّشَنُّجِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
خُطَّةُ الْوَرَقَةِ:
تَقُومُ هَذِهِ الْوَرَقَةُ عَلَى أًمُور:
الأَوَّلُ: فِي بَيَانِ مَعْنَى الْجِدَالِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا.
وَالثَّانِي: فِي عَرْضِ النَّصِّ الشَّريف الدَّالِّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَتَمْيِيزِهِ عَنِ الْجِدَالِ الْمُحَرَّمِ.
وَالثَّالِثُ: فِي اسْتِخْرَاجِ الضَّوَابِطِ الْمَنْهَجِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ الَّتِي تَضْبِطُ الْجِدَالَ وَتَحْفَظُهُ مِنَ الِانْحِرَافِ إِلَى التَّمْيِيعِ أَوِ الْمُصَادَرَةِ.
مَعْنَى الْجِدَالِ:
هُنَاكَ مُنَاسَبَةٌ دَائِمًا بَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِلْكَلِمَةِ وَبَيْنَ مَعْنَاهَا الِاصْطِلَاحِيِّ، وَإِذَا فُقِدَتِ الْمُنَاسَبَةُ كَانَ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ إِطْلَاقًا آخَرَ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَلَكِنَّ الْأَصْلَ هُوَ وُجُودُ الْمُنَاسَبَةِ؛ وَلِذَلِكَ تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ الْوُقُوفِ عَلَى الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ لِلْكَلِمَاتِ الْخَاصَّةِ فِي الْبُحُوثِ الْعِلْمِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي مَقَايِيسِ اللُّغَةِ:
"الْجِيمُ وَالدَّالُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنْ بَابِ اسْتِحْكَامِ الشَّيْءِ فِي اسْتِرْسَالٍ يَكُونُ فِيهِ، وَامْتِدَادِ الْخُصُومَةِ وَمُرَاجَعَةِ الْكَلَامِ"[7].
وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ، فَقَالَ الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي الْمُفْرَدَاتِ فِي غَرِيبِ الْقُرْآنِ:
"الْجِدَالُ: الْمُفَاوَضَةُ عَلَى سَبِيلِ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُغَالَبَةِ"[8].
وَفِي تَعْرِيفَاتِ الْجُرْجَانِيِّ:
"الْجَدَلُ: دَفْعُ الْمَرْءِ خَصْمَهُ عَنْ إِفْسَادِ قَوْلِهِ، بِحُجَّةٍ أَوْ شُبْهَةٍ، أَوْ يَقْصِدُ بِهِ تَصْحِيحَ كَلَامِهِ"[9].
يَلْتَقِي الْمَعْنَيَانِ اللُّغَوِيُّ وَالِاصْطِلَاحِيُّ فِي مَعْنَى الِاسْتِرْسَالِ وَانْتِفَاءِ التَّوَقُّفِ وَالتَّلَكُّؤِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الِاسْتِرْسَالُ عَلَى نَحْوِ الْأَخْذِ وَالرَّدِّ الْمُتَّصِلَيْنِ، مِثْلَ جَدِيلَةِ الْفَتَاةِ الَّتِي يَصْنَعُهَا وَيُحَقِّقُ عُنْوَانَهَا تَوَالِي الْتِفَافِ خُصَلَاتِ الشَّعْرِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِاسْتِرْسَالٍ وَنَظْمٍ مُعَيَّنٍ.
وَمِنْ هُنَا لَمْ يُفَرِّقِ الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي الْجِدَالِ، بَلْ صَرَّحَ بِكَوْنِهِ مُفَاوَضَةً عَلَى سَبِيلِ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُغَالَبَةِ.
وَبِذَلِكَ فَإِنَّ الْجَدَلَ، بِنَاءً عَلَى هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ، هُوَ فَنُّ الْإِسْكَاتِ وَمَهَارَةُ التَّبْكِيتِ، بِشَرْطِ الِاسْتِرْسَالِ فِي الْكَلَامِ وَالِاتِّصَالِ فِي الْإِيرَادَاتِ عَلَى الْخَصْمِ.
الْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فِي النُّصِّ الشَّرِيف:
إِنَّ مِمَّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ إِلَيْهِ هُوَ حُرْمَةُ الْجِدَالِ الَّذِي لَا يَلْتَزِمُ بِالْأُسْلُوبِ الْأَحْسَنِ.
أَمَّا الْجِدَالُ الْقَائِمُ عَلَى الْحِكْمَةِ وَالدَّلِيلِ الْمُسْتَقِيمِ فَهُوَ مَشْرُوعٌ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَطْلُوبًا فِي بَيَانِ الْحَقِّ وَدَفْعِ الشُّبُهَاتِ.
وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ الْمَوَازِينِ الْأَوَّلِيَّةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنَ النُّصُوصِ فِي جِهَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ:
- جِهَةٍ تُبَيِّنُ صُوَرَ الْجِدَالِ الْمَشْرُوعِ.
- وَجِهَةٍ تَكْشِفُ مَوَارِدَ الِانْحِرَافِ وَالتَّحْرِيمِ.
يَشْمَلُ الْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مَا يَأْتِي:
- الِاسْتِنَادُ إِلَى الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ بَدَلَ الْإِنْكَارِ وَالْمُكَابَرَةِ.
- مُنَاقَشَةُ الْخَصْمِ بِطَرِيقَةٍ تَكْشِفُ خَطَأَهُ دُونَ إِنْكَارِ الْحَقَائِقِ الصَّحِيحَةِ.
- إِزَالَةُ الشُّبُهَاتِ وَإِظْهَارُ قُوَّةِ الْحَقِّ بِأُسْلُوبٍ وَاضِحٍ وَمُتَّزِنٍ.
وَيَكُونُ الْجِدَالُ مُحَرَّمًا عِنْدَمَا يَتَّصِفُ بِمَا يَأْتِي:
- مُوَاجَهَةُ الْبَاطِلِ بِبَاطِلٍ آخَرَ بَدَلَ الرَّدِّ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ الصَّحِيحَةِ.
- إِنْكَارُ قَوْلِ الْخَصْمِ لِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِ، مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ دَلِيلٍ.
- إِنْكَارُ حَقٍّ صَحِيحٍ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ الْخَصْمُ لِتَأْيِيدِ بَاطِلِهِ.
- الْعَجْزُ عَنِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَثْنَاءَ النِّقَاشِ.
- تَحْوِيلُ الضَّعْفِ الْعِلْمِيِّ أَوْ سُوءِ طَرِيقَةِ الْجِدَالِ إِلَى وَسِيلَةٍ يَسْتَغِلُّهَا الْمُبْطِلُونَ ضِدَّ الْحَقِّ.
وَمِنْ أَضْرَارِ الْجِدَالِ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مَا يَأْتِي:
إِنَّ الْجِدَالَ غَيْرَ الْمُنْضَبِطِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى نَتَائِجَ خَطِيرَةٍ، مِنْهَا:
- إِرْبَاكُ ضُعَفَاءِ الْإِيمَانِ وَزَعْزَعَةُ قُلُوبِهِمْ.
- إِعْطَاءُ أَهْلِ الْبَاطِلِ حُجَّةً وَهْمِيَّةً بِسَبَبِ ضَعْفِ الْمُدَافِعِ عَنِ الْحَقِّ.
- إِظْهَارُ الْمُحِقِّ بِمَظْهَرِ الْعَاجِزِ أَمَامَ خَصْمِهِ.
- التَّسَبُّبُ فِي الْفِتْنَةِ بَدَلَ الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِيقَةِ.
- الْوُقُوعُ فِي الْخَطَأِ نَفْسِهِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْخَصْمُ، بِأَنْ يُنْكِرَ كُلُّ طَرَفٍ حَقًّا مِنْ أَجْلِ نُصْرَةِ مَوْقِفِهِ.
وَقَدِ اسْتَفَادَتِ الْوَرَقَةُ هَذِهِ الْمَوَازِينَ وَالْعَلَامَاتِ مِنْ نَصٍّ عَنِ الْإِمَامِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، أَثْبَتَهُ تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْعَسْكَرِيِّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)[10]، وَهُوَ الْآتِي:
أَوَّلًا: أَصْلُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْجِدَالِ الْمَشْرُوعِ وَالْجِدَالِ الْمُحَرَّمِ
اَلْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيُّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ:
"قَالَ الصَّادِقُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْجِدَالُ فِي الدِّينِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَالْأَئِمَّةَ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) قَدْ نَهَوْا عَنْهُ، فَقَالَ الصَّادِقُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ):
لَمْ يُنْهَ عَنْهُ مُطْلَقًا؛ وَلَكِنَّهُ نُهِيَ عَنِ الْجِدَالِ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أَمَا تَسْمَعُونَ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) يَقُولُ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؟
فَالْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قَدْ قَرَنَهُ الْعُلَمَاءُ بِالدِّينِ، وَالْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مُحَرَّمٌ، حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى"، ثُمَّ قال (عليه السَّلام): "وَكَيْفَ يُحَرِّمُ اللَّهُ الْجِدَالَ جُمْلَةً وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾، وَقَالَ اللَّهُ: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؟
فَجَعَلَ اللَّهُ عِلْمَ الصِّدْقِ وَالْإِيمَانِ بِالْبُرْهَانِ، وَهَلْ يُؤْتَى بِالْبُرْهَانِ إِلَّا فِي الْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؟"
ثَانِيًا: صُوَرُ الْجِدَالِ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
قِيلَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، فَمَا الْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَالَّتِي لَيْسَتْ بِأَحْسَنَ؟
قَالَ: "أَمَّا الْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَبِأَنْ تُجَادِلَ مُبْطِلًا فَيُورِدَ عَلَيْكَ بَاطِلًا، فَلَا تَرُدَّهُ بِحُجَّةٍ قَدْ نَصَبَهَا اللَّهُ، وَلَكِنْ تَجْحَدُ قَوْلَهُ، أَوْ تَجْحَدُ حَقًّا يُرِيدُ ذَلِكَ الْمُبْطِلُ أَنْ يُعِينَ بِهِ بَاطِلَهُ، فَتَجْحَدُ ذَلِكَ الْحَقَّ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْكَ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي كَيْفَ الْمَخْلَصُ مِنْهُ، فَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ"، وعِلَّة ذلك: "أنْ تصِيرُوا فِتْنَةً عَلَى ضُعَفَاءِ إِخْوَانِكُمْ وَعَلَى الْمُبْطِلِينَ؛ أَمَّا الْمُبْطِلُونَ فَيَجْعَلُونَ ضَعْفَ الضَّعِيفِ مِنْكُمْ إِذَا تَعَاطَى مُجَادَلَتَهُ، وَضَعْفَ مَا فِي يَدِهِ، حُجَّةً لَهُ عَلَى بَاطِلِهِ، وَأَمَّا الضُّعَفَاءُ فَتَغُمُّ قُلُوبُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ضَعْفِ الْمُحِقِّ فِي يَدِ الْمُبْطِلِ".
ثَالِثًا: الْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: إِقَامَةُ الْبُرْهَانِ وَإِزَالَةُ الشُّبْهَةِ:
"وَأَمَّا الْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَنْ يُجَادِلَ بِهِ مَنْ جَحَدَ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِحْيَاءَهُ لَهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْهُ: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾.
فَقَالَ اللَّهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾" إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
فَأَرَادَ اللَّهُ مِنْ نَبِيِّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَنْ يُجَادِلَ الْمُبْطِلَ الَّذِي قَالَ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ هَذِهِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟
فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أَفَيَعْجِزُ مَنِ ابْتَدَأَهَا لَا مِنْ شَيْءٍ أَنْ يُعِيدَهَا بَعْدَ أَنْ تَبْلَى؟! بَلِ ابْتِدَاؤُهَا أَصْعَبُ عِنْدَكُمْ مِنْ إِعَادَتِهَا.
ثُمَّ قَالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾؛ أَيْ: إِذَا كَانَ قَدْ أَكْمَنَ النَّارَ الْحَارَّةَ فِي الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ الرَّطْبِ يَسْتَخْرِجُهَا، فَعَرَّفَكُمْ أَنَّهُ عَلَى إِعَادَةِ مَا بَلِيَ أَقْدَرُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾؛ أَيْ: إِذَا كَانَ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَعْظَمَ وَأَبْعَدَ فِي أَوْهَامِكُمْ وَأَقْدَارِكُمْ مِنْ إِعَادَةِ الْبَالِي، فَكَيْفَ جَوَّزْتُمْ مِنَ اللَّهِ خَلْقَ هَذَا الْأَعْجَبِ عِنْدَكُمْ وَالْأَصْعَبِ لَدَيْكُمْ، وَلَمْ تُجَوِّزُوا مَا هُوَ أَسْهَلُ عِنْدَكُمْ مِنْ إِعَادَةِ الْبَالِي؟"
قَالَ الصَّادِقُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ):
"فَهَذَا الْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ فِيهِ انْقِطَاعَ عُرَى الْكَافِرِينَ، وَإِزَالَةَ شُبْهَتِهِمْ".
رَابِعًا: ضَابِطُ التَّحْرِيمِ فِي الْجِدَالِ: جَحْدُ الْحَقِّ لِنُصْرَةِ الْمَوْقِفِ
"وَأَمَّا الْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَأَنْ تَجْحَدَ حَقًّا لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاطِلِ مَنْ تُجَادِلُهُ، وَإِنَّمَا تَدْفَعُهُ عَنْ بَاطِلِهِ بِأَنْ تَجْحَدَ الْحَقَّ، فَهَذَا هُوَ الْمُحَرَّمُ؛ لِأَنَّكَ مِثْلُهُ، جَحَدَ هُوَ حَقًّا، وَجَحَدْتَ أَنْتَ حَقًّا آخَرَ".
خَامِسًا: وُقُوعُ الْجِدَالِ الْأَحْسَنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)
قَالَ:
"فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، أَفَجَادَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)؟"
فَقَالَ الصَّادِقُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ):
"مَهْمَا ظَنَنْتَ بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) مِنْ شَيْءٍ فَلَا تَظُنَّ بِهِ مُخَالَفَةَ اللَّهِ. أَوَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وَقَالَ: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِمَنْ ضَرَبَ لِلَّهِ مَثَلًا؟
أَفَتَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) خَالَفَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ، فَلَمْ يُجَادِلْ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَمْ يُخْبِرْ عَنِ اللَّهِ بِمَا أَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ؟"
الضَّوَابِطُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنَ النُّصِّ:
1/ ضَابِطُ الْعِلْمِ وَالْبَصِيرَةِ: فَلَا يَدْخُلُ الْإِنْسَانُ فِي الْجِدَالِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ وَحُدُودِهَا وَمَوَاقِعِ الدَّلِيلِ فِيهَا؛ لِأَنَّ ضَعْفَ الْمُجَادِلِ فِي مَقَامِ الدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فِتْنَةٍ عَلَى ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَحُجَّةٍ مَوْهُومَةٍ بِيَدِ الْمُبْطِلِينَ.
2/ ضَابِطُ الْبُرْهَانِ: فَالْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُنَازَعَةٍ لَفْظِيَّةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إِيرَادُ الْحُجَّةِ الَّتِي نَصَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَالرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ بِمَا يَقْطَعُ مَادَّتَهَا وَيَكْشِفُ ضَعْفَهَا، كَمَا فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ وَخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
3/ ضَابِطُ عَدَمِ جَحْدِ الْحَقِّ: فَلَا يَجُوزُ لِلْمُجَادِلِ أَنْ يُنْكِرَ حَقًّا صَحِيحًا لِمُجَرَّدِ أَنَّ الْخَصْمَ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى بَاطِلِهِ؛ لِأَنَّ جَحْدَ الْحَقِّ فِي مُقَابِلِ جَحْدِ الْخَصْمِ لِحَقٍّ آخَرَ يَجْعَلُ الْمُجَادِلَ شَبِيهًا بِهِ فِي أَصْلِ الِانْحِرَافِ عَنْ مُقْتَضَى الْإِنْصَافِ.
4/ ضَابِطُ تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ: إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ تَخْتَلِطَ جِهَةُ الْحَقِّ بِجِهَةِ الْبَاطِلِ، وَلَا أَنْ يُتْرَكَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الدَّلِيلِ الصَّحِيحِ وَطَرِيقَةِ تَوْظِيفِهِ الْخَاطِئَةِ؛ فَالْجِدَالُ الْأَحْسَنُ يُمَيِّزُ بَيْنَ أَصْلِ الدَّلِيلِ وَمَحَلِّ الِاسْتِدْلَالِ، وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْعَامِّ وَالْمَوْرِدِ الْخَاصِّ.
5/ ضَابِطُ مُرَاعَاةِ أَثَرِ الْجِدَالِ: فَلَيْسَ النَّظَرُ إِلَى غَلَبَةِ الْخَصْمِ وَحْدَهَا، بَلْ إِلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْجِدَالِ مِنْ آثَارٍ فِي قُلُوبِ السَّامِعِينَ، وَلَا سِيَّمَا ضُعَفَاءِ الْإِيمَانِ؛ فَإِنَّ الْجِدَالَ إِذَا أُسِيءَ أَدَاؤُهُ أَوْقَعَ الْغَمَّ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلَبَّسَ عَلَيْهِمُ الْحَقَّ.
6/ ضَابِطُ الْقَصْدِ: فَغَايَةُ الْجِدَالِ الْأَحْسَنِ لَيْسَتِ التَّشَفِّيَ وَلَا الْغَلَبَةَ النَّفْسِيَّةَ، وَإِنَّمَا نُصْرَةُ الْحَقِّ، وَإِزَالَةُ الشُّبْهَةِ، وَفَتْحُ الطَّرِيقِ إِلَى الْهِدَايَةِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ حُسْنُ الْجِدَالِ تَابِعًا لِحُسْنِ الْمَقْصِدِ، كَمَا هُوَ تَابِعٌ لِصِحَّةِ الدَّلِيلِ.
خَاتِمَةٌ:
يَتَبَيَّنُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْجِدَالَ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ مَمْنُوعًا بِإِطْلَاقٍ، وَلَا مَأْذُونًا بِهِ بِإِطْلَاقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَشْرُوعٌ إِذَا الْتَزَمَ وَصْفَهُ الْقُرْآنِيَّ: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَحْسَنِ مُجَرَّدَ اللِّينِ اللَّفْظِيِّ، وَإِنْ كَانَ اللِّينُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، بَلِ الْمُرَادُ مَا جَمَعَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْحِكْمَةِ وَالْبُرْهَانِ، وَرَاعَى حَالَ الْمُخَاطَبِ وَمُقْتَضَى الْمَقَامِ، وَلَمْ يَجْحَدْ حَقًّا، وَلَمْ يَفْتَحْ بَابَ فِتْنَةٍ عَلَى ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ الْحَاجَةُ إِلَى ضَوَابِطِ الْجِدَالِ؛ فَإِنَّ النُّصُوصَ الشَّرِيفَةَ لَا تُرِيدُ لِلْخِطَابِ الدِّينِيِّ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى تَمْيِيعٍ يُفَرِّطُ فِي الْحَقِّ، وَلَا إِلَى مُصَادَرَةٍ وَتَشَنُّجٍ يُفْسِدَانِ طَرِيقَ الْهِدَايَةِ، وَإِنَّمَا تُرِيدُ لَهُ أَنْ يَكُونَ امْتِدَادًا لِأَخْلَاقِ النَّبِيِّ الْأَكْرَمِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): رَحْمَةً فِي الْمَقْصِدِ، وَحِكْمَةً فِي الْمَنْهَجِ، وَقُوَّةً فِي الْبُرْهَانِ، وَعَدْلًا فِي الْخُصُومَةِ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
...............................................................
[1] - سورة البقرة: 256.
[2] - نهج البلاغة، ص 426.
[3] - سورة آل عمران: 159.
[4] - نهج البلاغة، ج1 ص 69.
[5] - الكافي، الكليني، ج5 ص53.
[6] - مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، علي بن الحسن الطبرسي، ص237.
[7] - مقاييس اللغة، ابن فارس، مادَّة: ج د ل.
[8] - المفردات في غريب القرآن، الراغب الإصفهاني، ص189.
[9] - التعريفات، الجرجاني، ص74.
[10] - تفسير الإمام العسكري (عليه السَّلام)، ج1 ص527.